الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
110
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
لخؤولتهم وقرابتهم واعظام الحرم أن يكون به بغى أو قتال ثم إن جرهما بغوا بمكة واستحلوا حلالا من الحرمة وارتكبوا أمورا عظاما وأحدثوا فيها احداثا لم تكن فقام مضاض بن عمرو بن الحارث وهو مضاض الأصغر فيهم خطيبا فقال يا قوم احذروا البغى فإنه لا بقاء لأهله قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفوا بالحرم فلم يعظموه وتنازعوا بينهم واختلفوا حتى سلطكم اللّه عليهم فأخرجتموهم فتفرقوا في البلاد فإنكم ان فعلتم ذلك تخوّفت عليكم أن تخرجوا منه خروج ذل وصغار فقال قائل منهم يقال له مجدع من الذي يخرجنا منه ألسنا أعز العرب وأكثرهم رجالا وأموالا وسلاحا فقال مضاض إذا جاء الامر بطل ما تقولون فلم يقصروا عن شيء مما كانوا يصنعون وكان للبيت خزانة بئر في بطنها يلقى فيها الحلى والمتاع الذي يهدى له وهو يومئذ لا سقف له وتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيه فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم واقتحم الخامس فجعل اللّه عز وجل أعلاه أسفله وسقط منكسا فهلك وفرّ الأربعة الأخر * قال أهل العلم ان جرهما لما طغت في الحرم دخل منهم رجل وامرأة يقال لهما أساف بن بغى ونائلة بنت ديك البيت ففجرا فيه فمسخهما اللّه تعالى حجرين فأخرجا من الكعبة فنصبا على الصفا والمروة ليعتبر بهما من رآهما وليزدجر الناس عن مثل ما ارتكبا ويقال إن الرجل من جرهم والمرأة من قطورا ثم لم يزل أمرهما يندرس ويتقادم حتى صارا صنمين يعبدان وقال بعض أهل العلم انه لم يفجر بها في البيت وانما قبلها وقيل إن عمرو بن لحىّ دعا الناس إلى عبادتهما وقال انما نصبا هاهنا لان آباءكم ومن كان قبلكم كانوا يعبدونهما وانما ألقاه عليه إبليس وكان عمرو فيهم شريفا مطاعا متبعا وقد اختلف أهل العلم في نسبهما والمشهور أن الرجل أساف بن سهيل والمرأة نائلة بنت عمرو بن ديك ولم يزالا يعبدان ويستملهما الطائف إذا فرغ حتى كان يوم الفتح فكسرا * وفي شفاء الغرام اختلف أهل الأخبار فيمن أخرج جرهما من مكة اختلافا يعسر التوفيق بينه قيل إن بنى بكر بن عبد منات بن كنانة وغبشان ابن خزاعة أخرجوا جرهما من مكة لبغيهم فيها كما سيجيء وقيل إن بنى عمرو بن عامر ماء السماء أخرجوا جرهما من مكة حين لم يترك جرهم بنى عمرو بن عامر أن يقيموا عندهم بمكة حتى يصل إليهم روّادهم وقيل إن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو أخرج جرهما حين طلب حجابة البيت لسيادته وشرفه وقيل إن بنى إسماعيل أخرجوا جرهما من مكة بعد أن سلط اللّه على جرهم آفات من الرعاف والنمل الذي فنى به أكثر من أصابهم بمكة وقيل إن اللّه سلط على الذين يلون البيت من جرهم دواب شبيهة بالنغف فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب حتى جلوا من مكة إلى أطم والقول الاوّل ذكره ابن إسحاق لأنه قال ثم إن جرهما لما بغوا في مكة واستحلوا حلالا من الحرمة وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرّق أمرهم وكان ملكهم يومئذ عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى فلما رأت بنو بكر بن عبد منات بن كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم واخراجهم من مكة فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا هم وإياهم فغلبتهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة وكانت مكة في الجاهلية لا تقرّ فيها ظلما ولا بغيا لا يبغى فيها أحد الا أخرجته يقال ما سميت مكة بالناسة بالنون والسين المهملة الا أنها تنسّ من ألحد فيها اى تطرده وتنفيه أو لقلة مائها والنس اليبس كذا قاله الماوردي ولا يريدها ملك يستحل حرمتها الا هلك ويقال ما سميت باسة بالباء الموحدة والسين المهملة الا لأنها تبسّ من ألحد فيها أي تحطمه ومنه قوله تعالى وبست الجبال بسا كذا ذكرهما أي الروايتين بالنون والباء في زبدة الاعمال * ويقال ما سميت ببكة الا لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا أي تدقها وما قصدها جبار الا قصمه اللّه تعالى أو من الازدحام أي ازدحام الناس فيها يبك بعضهم بعضا أي يدفع في ازدحام الطواف وعن ابن عباس أنه قال مكة من الفج إلى التنعيم وبكة من البيت إلى البطحاء وقال